التعليقات الغالبية على الدرر الذهبية والنصائح السنية
علق عليها وبينها
ـ العبد الفقير إلى مولاه ـ
غيث بن عبدالله الغالبي
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،الرحمن الرحيم ،مالك يوم الدين،وبه نستعين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أمابعد:
فإن العلم من أعظم الأبواب المقربة إلى الله تعالى ،فتعلمه والعمل به يورث الخشية كما قال الله تعالى { انما يخشى الله من عباده العلماء } و قال صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ) حسنه الحافظ ابن حجر ,والمزي,والسيوطي,وغيرهم. وللعلم فضائل كثيرة تدل على شرفه ورفعة مكانته ،وهو يرفع المسلم إذا ابتغى به الآخرة كما قال عز وجل :{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات }
والعلماء ورثة الأنبياء من جهات عديدة ،أهمها العلم الذي يُعمل به ،ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((العلماء ورثة الأنبياء ))وهذا عبيد الله بن كثير يروي عن أبيه أنه قال: " ميراث العلم خير من ميراث الذهب والفضة والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ ولا يستطاع العلم براحة الجسم ".
ولكن العلم الشرعي وبال على من يطلبه لغير وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته، فعن عبد الله بن مسعود قال :(كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس منها شيء ،قيل قد غيرت السنة قيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟قال إذا كثر قراؤكم ،وقل فقهاؤكم ،وكثر أمراؤكم ،وقل أمناؤكم ،والتمست الدنيا بعمل الآخرة ،وتفقه لغير الدين)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَال:(( أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ ))
عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ :مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْك))
ولأهمية هذا الأمر وخطره ألف الأئمة الأعلام في التحذير من طلب العلم لغير مرضاة الله عز وجل ،ومن هذه المؤلفات رأيت رسالتين عظيمتين للإمام الذهبي رحمه الله تعالى ،بيّن فيها آفات العلم ،لأن العلم وإن كان أشرف وأعظم العبادات إلا أن صاحبه إما أن يكون في الدرجات العالية، أو يكون من أول من تسعر به النار والعياذ بالله ،فإن الشيطان لا يفتر عن صد الإنسان عن العلم لما يعلم ما فيه من خير لحامله ، فالعلم ميراث ورّثه الأنبياء للعلماء ،والتسابق إليه تسابق إلى معالي الأمور ،فكم الفرق بين عالم عابد ،وبين عابد بلا علم . فإن عجزالشيطان عن صده عن العلم عكر صفو تلك العبادة العظيمة فيدخل عليه من الباب الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في ظلمة الليل ،ألا وهو الرياء .ولا يزال به الشيطان حتى يعجب بنفسه ويقول على الله بغير علم ولا أسوة حسنة ، فلا يزال ينظر إلى نفسه بعين التعظيم وإلى الأئمة بعين التحقير ،فيسفه المذاهب المتبوعة ويدعي فهماً للكتاب والسنة هو عين ما أراد الله ورسوله ،فيأزه الشيطان إلى الباطل أزاً والمسكين فرحاً فخوراً معجباً بنفسه ورأيه يصدق عليه قول الشاعر:
رأيناك في أثناء قولك معجباً ـــ بكونك أوفى الناس فهماً وأعلما
ولا أطيل عليكم فدونكم درر من درر الوعظ والبيان للإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ تتمثل في رسالتين جليلتين:
الرسالة الأولى : رسالة :زغل العلم. والتي سأقتصر عليها في هذا المقال
والرسالة الثانية : رسالة النصيحة الذهبية . التي ناصح بها شيخه الإمام تقي الدين بن تيمية رحم الله الجميع.وستكون في المقال التالي إن شاء الله تعالى
وقد علقت على الرسالتين بما يسر الله تعالى ،ووضعت لها حاشية يسيرة عند مواضع تحتاج إلى بيان أو تقييد أونحو ذلك. وأرجو من الله تعالى أن يتقبل هذا العمل ،وأن يجعله خالصاً له وحده .
وليعلم كل طالب علم أن الإنسان لا يأمن على نفسه زلات العقول ،وأهواء النفوس ،ودواء ذلك كله بالقرب من الله تعالى ،واللجأ الصادق إليه فهو ملاذ الخائفين ،ومجير المستجيرين ،وليكن في ذلك عبرة لمن اعتبر .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرسالة الأولى : رسالة زغل العلم
ثبوت الرسالة :هذا الكتاب ثابت عن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى ،وقد حقق الشيخ محمد بن ناصر العجمي الكتاب المذكور وبين ثبوته ضمن سلسلة ذخائر التراث ( 1 [ - مكتبة الصحوة الإسلامية]وتسمى رسالة الذهبي هذه رسالة
( فيما يذم ويعاب في كل طائفة) ذكره من ترجم للإمام الذهبي رحمه الله كالحافظ ابن حجر وغيره ، فقد ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في إنباء الغمر في ترجمة عبد الله بن خليل ونسبه للذهبي ،ولينظر مقدمة السير للذهبي(1/83) وغيرها من المراجع .وإليكم تفاصيل رسالة الإمام الذهبي رحمه الله تعالى للعظة والاعتبار:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والحمد لله رب العالمين .اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذم ويعاب فتجنبه.[1]
ومما جاء في رسالة زغل العلم قول الإمام الذهبي:
الشافعية
الفقهاء الشافعية أكيس الناس وأعلم من غيرهم بالدين.[13]
فأس مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث المتصلة ،وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ،ومناقبه جمة،فإن حصلت يا فلان مذهبه لتدين الله به ،وتدفع عن نفسك الجهل فأنت بخير.
وإن كانت همتك كهمة إخوانك من الفقهاء البطالين الذين قصدهم المناصب ،والمدارس ،والدنيا ،والرفاهية ،والثياب الفاخرة ،فماهذا من بركة العلم ،ولا هذه نية خالصة ،بل ذا بيع للعلم! بحسن عبارة وتعجل للأجر وتحمل للوزر وغفلة عن الله ،فلو كنت ذا صنعة لكنت بخير تأكل من كسب يمينك ،وعرق جبينك ،وتزدري نفسك ،ولا تتكبر بالعلم. أو كنت ذا تجارة لكنت تشبه علماء السلف الذين ما أبصروا المدارس ،ولا سمعوا بالجهات ،وهربوا لما للقضاء طلبوا ،وتعبدوا بعلمهم ،وبذلوه للناس ،ورضوا بثوب خام ،وبكسرة ،كما كان من قريب الإمام أبو إسحاق صاحب التنبيه، وكما كان بالأمس الشيخ محيي الدين صاحب المنهاج، وكما ترى اليوم سيدي عبد الله بن خليل .وعلى كل تقدير احذر المراء في البحث وإن كنت محقاً ،ولا تنازع في مسألة لا تعتقدها[14] ،واحذر التكبر والعجب بعملك. فيا سعادتك إن نجوت منه كفافاً لا عليك ولا لك ،فوالله ما رمقت عيني أوسع علماً ولا أقوى ذكاءً من رجل يقال له ابن تيمية ،مع الزهد في المأكل والملبس والنساء ،ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة فما وجدت قد أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم ،وازدروا به، وكذبوه ،وكفروه إلا الكبر والعجب، وفرط الغرام في رياسة المشيخة. والازدراء بالكبار فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور نسأل الله تعالى المسامحة فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم منه ولا أزهد منه بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم وما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر وما جرى عليهم إلا بعض ،ما يستحقون فلاتكن في ريب من ذلك.[15]
وقال أيضاً تحت عنوان:علم أصول الدين ـ العقيدة ـ
أصول الدين هو اسم عظيم ،وهو منطبق على حفظ الكتاب ،والسنة فهما أصول دين الإسلام ،ليس إلا وأما العرف في هذا الإسم فهو مختلف باختلاف النحل .
فأصول دين السلف الإيمان بالله ،وكتبه ،ورسله ،وملائكته ،وبصفاته ،وبالقدر ،وبأن القرآن المنزل كلام الله تعالى غير مخلوق ،والترضي عن كل الصحابة ،إلى غير ذلك من أصول السنة.
وأصول دين الخلف هو ما صنفوا فيه وبنوه على العقل والمنطق فما كان السلف يحطون على سالكه ويبدعونه ،وبينهم اختلاف شديد في مسائل مزمنة تركها من حسن إسلام العبد ،فإنه يورث أمراضاً في القلوب ،ومن لم يصدقني يجرب!
فإن الأصولية بينهم السيف يكفر هذا هذا ،ويضلل هذا هذا ،فالأصولي الواقف مع الظواهر والآثار عند خصومه يجعلونه مجسماً وحشوياً ومبتدعاً ،والأصولي الذي طرد التأويل عند الآخرين جهمياً ومعتزلياً وضالاً.
والأصولي الذي أثبت بعض الصفات ونفى بعضها وتأول في أماكن يقولون متناقضاً
والسلامة والعافية أولى بك.[22]
فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ،ومجازات العقول ،واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة، وأصول السلف ،ولفقت بين العقل والنقل ،فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ،ولا والله تقربها ،وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر ،والتضليل ،والتكفير ،والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوراً مضيئاً على محياه سيما السلف ثم صار مظلماً مكسوفاً عليه قتمة عند خلائق من الناس ،ودجالاً أفاكاً كافراً عندأعدائه ،ومبتدعاً فاضلاً محققاً بارعاً عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عوام أصحابه هو ما أقول لك[23].
انظر تفاصيل الرسالة في الملف المرفق







