الإرهابُ المذهبيُّ:
قال الإمام الرائد رحمه الله:لقد أصبحت المذاهبُ الأربعةُ تتعايشُ تعايشًا سلميًّا كُلُّهُ جلالٌ وفضلٌ وأدبٌ؛ فالحنفيُّ والشَّافعيُّ والمالكيُّ والحنبليُّ أخوة في عباداتهم وعاداتهم ومساجدهم، فلماذا لا يتعايش المتمسلفون مع بقية المذاهب، عيش تلك المذاهب بلا إرهاب ولا تنابز بالألقاب ولا تراشق بالتبدع، ولا مناجزة بدعاوى الشِّرك والإيمان ، ولا اعتصام أخرق بالتعالي، وعبادة المظاهر، ودعوى الاختصاص بالصَّواب، والانتفاخ المفتعل على خلق الله؟!
إننا نطالبُ بأنْ يُتركَ لكُلِّ إنسانٍ حريةُ اختياره في دينه دون إرهاب، بل دون اتهامه ولا تجريحه، ما دام في يده دليله، مع تأكيد حقِّ الدعوة بالتي هي أحسن، وهذا هو دين الله الذي نفهمه.
إنَّ الله يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، ويقول: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، ويقول: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص:55 ]، ويقول: لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِر [الغاشية:22]، ويقول: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق:45]، بل هو يقول للتربية والتوجيه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24].
ثم إنَّ هناك أشياءَ متفقًا على كفاحها بين الجميع، فلنتعاونُ على كفاحها، وهناك أشياءُ متفقٌ على خدمتها بين الجميع، فلنتعاون على خدمتها، ثم لنترك مواضع الخلاف الفرعيِّ الذي مزق الأُمَّةَ إِرَبًا، وفرَّقَ بين الولد وأبيه، وجعل البلدة الواحدة أوزاعًا متقاطعة متنافرة، ربما تلاقت على معارك، أو تراشقت بدم حرام، من أجل أحكام فرعية إلى ربك منتهاها.
إنَّ الاعتماد على كثرة العدد والمؤسسات (والفهلوة) والجاه البشري الزائل، أمر منذر لأهله بسوء العاقبة العاجلة !! وإنَّ هذا القلم كثيرًا ما أيده الله فغيَّرَ، ولا يزال بقوة الله يغير، وسوف يغير إلى ما هو أهدى وأجدى. فلينتظروا.. !
لقد طالبنا ولا نزال نطالب بإقحام عام للهيئات الإسلامية، أو على الأقل عقد مؤتمر، يقرب ما بينها ويخفف حدة خصوماتها، وينتفع بها فيما هو أكبر وأخطر.
ولقد طالبنا ولا نزال نطالب المسئولين بوضع خطة عمل إسلاميٍّ موحدة يلتزم بها جميع الهيئات توفيرًا للجهود، ووقوفًا عند الحدود واتجاهًا بالركب الإسلامي من السفساف إلى معالي الأمور، فالإسلام في أشد الحاجة إلى توجيه هذه الطاقات إلى ما يحوطه مِنْ مؤامرات، وما يُدَّبرُ له مِنْ مكايد، وما ينتظره من أخطار جِسام.
هذا منهجُنَا:أمَّا بعدُ: فاللهُ غايتُنَا، وليس بيننا وبين أحدٍ في الحقِّ ضغينةٌ، ولا مجاملة، إنما هي عقيدة ربانية، على مثل ضوء الشَّمس، نخدمها ونضحي فيها، ففي المتمصوفة نكافحُ ما ليس من التصوف، ونتفق معهم فيما عداه، وفي المتسلفة نكافحُ ما ليس منه التسلف، ونتفق معهم فيما عداه، فإذا كُنَّا نريدُ اللهَ حقًّا فلنجتمع على خدمة المتفق عليه مِنَ المعروف، ومكافحة المتفق عليه من المنكر، ولنتناصح فيما عدا ذلك برفق وحسن ظن وأدب، حتى ننقذ الدِّين والوطن، وهذه أيدينا نمدُّها اليوم وغدًا قويةً نقيةً على هذا العهد الخالص لوجه الله.
انتهى
المصدر مجلة المسلم العدد التاسع السنة التاسعة عشرة ربيع الثاني 1389هـ يونية 1969ميلادي
الناقل :الأستاذ أشرف الأشعري وفقه الله .